القائمة الرئيسية

الصفحات

الطاعون الدبلي : ماذا تعرف عن المرض الموصوف بـ "الموت الأسود"؟


 الطاعون الدبلي: ماذا تعرف عن المرض الموصوف بـ "الموت الأسود"؟


إذا تحدثنا عن أفظع الكوارث التي عصفت بالبشرية، فلن نجد شيئًا أصعب من الموت الأسود أو الطاعون، وهو أحد أكثر الأمراض شيوعًا التي أودت بحياة الملايين حول العالم، في واحدة من  أحلك أوقات في تاريخ الإنسان.


بدأ انتشار الطاعون الدبلي في منتصف القرن الثالث عشر، وعبر أوروبا لأول مرة عام 1347، ولكن قبل أن يصل الطاعون إلى أوروبا، انتشر على نطاق واسع في آسيا، وكان السبب الرئيسي للانتقال إلى أوروبا هو خطأ كبير ارتكبه أصحاب السفن التجارية الأوروبية، تسبب هذا الخطأ في تدمير قارة بأكملها، فبدأ التجار الأوروبيون المتواجدون في آسيا بالفرار على متن السفن التجارية للعودة إلى بلادهم، في محاولة للهروب من المرض الفتاك ولكن للأسف عندما صعدوا على السفن لم يكونوا وحيدين، وعندما  وصلت السفن إلى أوروبا كان معظم التجار وأطقم السفن فارقو الحياه. ومن تبقى منهم على قيد الحياة، تشوه جسده برداء قبيح من الدمامل الموبوءة، والناس الذين كانوا يتجمعون في الموانئ لمقابلة عائلاتهم، واجهوا مشهدًا مرعبًا بدلاً من لقاء سعيد للعودة إلى ديارهم.


على الرغم من إعادة العديد من السفن إلى البحر ، إلا أن الضرر قد حدث بالفعل.

اكتشف الأوروبيون أن الطاعون مرض شديد العدوى ومميت بشكل غير عادي، وكانت هذه هي الموجة الأولى من المرض الفتاك التي انتهت عام 1350، ورغم أن الأوروبيين قدروا أنهم سيطروا عليها، إلا أنها أودت بحياة الكثيرين.


عاد الطاعون بقوة بعد بضع مئات من السنين، وكانت هذه المرة أشد بكثير مما سبقه، وانتشر المرض من آسيا وبعد ذلك انتقل إلى أوروبا، وكانت هذه هي المرة الأولى التي دخل فيها الطاعون إلى لندن عام 1665 ودمروا واحدة من أقوى مدن العالم في وقتها، فكلما انتشر الطاعون كان يودي بحياة الألاف من الاشخاص ، ومن أصيب بالمرض علم أن الموت لا مفر منه، وأن أيامهم في هذا العالم أصبحت معدودة، ومن ثم يرون الدمامل تأكل أجسادهم الضعيفة، وينتظرهم نفس المصير الذي اصاب جيرانهم وأقاربهم.


 وإذا كنت تعتقد أن هذا كان أسوأ سيناريو للمرضى الذين يعانون من الموت الأسود في هذه الأوقات الصعبة، أود أن أخبرك أنك لم تر شيئًا بعد.


 في البداية سنرى كيف يتحكم الطاعون في جسم الإنسان حتى يؤدي إلى الموت.

الذي يسبب الطاعون في المقام الأول هو نوع من البكتيريا يسمى Enterobacteria yersensis pestis، وهذه البكتيريا تحاكي عمل جسيم آخر شائع في جسم الإنسان، وهذا الجسيم بالطبع لا يتعرض للهجوم، وهذا هو سبب دخول هذه البكتيريا إلى جسم الإنسان بشكل مريح، وعندما تصل البكتيريا إلى العقد اللمفاوية يبدأ الجسم بالشعور بحدوث خطأ ما، ولكن قد فات الأوان لمهاجمته، فتبدأ البكتيريا بالانتشار بسرعة كبيرة، و هذا يؤدي إلى حدوث صدمة إنتانية وفي النهاية يحدث فشل في العضو المصاب.


كان المؤرخ مايك إيجبيجي يتحدث عن الفرق بين الطاعون الطبيعي وموت الأسود، وقال إن الموت الأسود هو أحد سلالات الطاعون الدبلي والهوائي الذي يصيب الرئة، وأن هذه السلالة تنتقل عن طريق الهباء الجوي المتطاير فيها. الهواء ويسبب معدل قتل يصل إلى 100 لكل 100 مما يعني أنه لا أحد يصاب به له أمل في أن يعيش، وأن الأشخاص الذين يستنشقون الهواء الملوث يموتون عادة في غضون 24 ساعة من الإصابة.


أما الطاعون الدبلي الذي ينتشر عن طريق البراغيث، فقد استخدم أسلوباً مختلفاً. عندما يصاب الشخص بالمرض، يستغرق الأمر من 3 إلى 5 أيام قبل ظهور أي أعراض على الشخص المصاب، ويستغرق الأمر من 3 إلى 5 أيام أيضًا حتى يصل المرض بالشخص المصاب لدرجة الوفاة.



على الرغم من أن الإصابة بالطاعون كانت طريقة مروعة للموت، إلا أن قصر الوقت بين الصحة والموت، والذي كان سبب الوفاة من خلال الطاعون، كان أرحم بكثير من الأمراض التي تسبب الألم الذي استمر لأشهر أو حتى سنوات قبل االموت.


لم يكن انتشار الطاعون في العالم مجرد مصادفة ، بل في الواقع، على البشر تدمير أنفسهم بما كسبته أيديهم. الحرب البيولوجية هي لم تكن وليدة العصر الحديث، لكنها بدأت منذ وقت طويل، نقلت بعض السجلات التاريخية لكاتب إيطالي يُدعى غابرييل دي موسى ، وقال إنه في عام 1340 كان الأوروبيون على علم بوجود مرض قاتل دمر ممالك المسلمين والتتار في كثير من البلدان، وذهب التجار المسيحيون المتواجدون في البلاد إلى مدينة تسمى كافا.


قطعوا جميع وسائل الاتصال بينهم وبين البلد الذي انتشر فيه الطاعون وعملوا كنظام الاكتفاء الذاتي حفاظا على أنفسهم ، لكن جيوش التتار لم تترك المدينة على حالتها وحاصرتها لمدة ثلاث سنوات، وعندما هاجم الطاعون جيش التتار وبدأ يحصد أرواحهم، أمر قادة الجيش بتحميل جثث ضحايا الطاعون بالمقلاعق رميهم باتجاه أثوار المدينة، لدرجة أنه كان هناك جبال من الجثث على أبواب المدينة. طبعا لم يكن لدى المسيحيين أي حيلة في أيديهم للهروب من الموت الحتمي القادم إليهم، لكن في بعض التجار تمكنوا من الهروب من كافا والعودة إلى بلادهم الأوروبية، وبالفعل تمكنوا من الهروب والعودة إلى وطنهم. لكنهم في الحقيقة لم يكونوا وحدهم، وكان الطاعون ضيفًا معهم.


عندما ضرب الطاعون الأسود أوروبا في القرن السابع عشر، اتخذت البلاد إجراءات مروعة حتى تتمكن من السيطرة على انتشار المرض.لدرجة أن رئيس أساقفة الكنيسة  كان يرسل باحثين من النساء المسنات لزيارة العائلات وفحصهم وتقديم تقارير عن المصاب، حتى في الأسرة التي أصيب فيها شخص بالطاعون، يتم إغلاق الباب على الأسرة وعلى الأسرة. يتم رسم صليب أحمر على الأسرة من أجل تحذير الجيران، وتم تعيين مراقب لكل منزل. الخارج،

والشيء الأكثر مرارة من الطاعون أنه يحكم عليك وعلى أطفالك بالموت المحتوم في حبسكم الانفرادي، وإذا لم يكن الطاعون السبب في الموت كان الجوع والعطش. بمجرد أن تصاب بالموت الأسود، سيحكم البشر عليك وعلى عائلتك بالموت.


بعد ذلك، لم يرضى الناس بالطبع الوضع، ولهذا السبب قررت الحكومات تخفيف الإجراءات، لذلك كان لا بد للقرى المتضررة من الطاعون من عزل نفسها في الحجر الصحي، وكان من الواجب على الشخص المصاب الذى  يتمتع بقليل من الصحة ان يقوم بدفن الباقي سواء من عائلته أو من جيرانه.


سننهي الموضوع بجزاء مفيد ومأساوي في نفس الوقت ولكن يجب أن تراها.

 إنها عادة طبيعية البشر في وقت حدوث أي مأساة أو مشكلة كبيرة. هم أول شيء يفعلونه. يبدأون في البحث عن تفسير أو سبب لما يحدث. إذا لم يكن هناك تفسير، فستكون هناك مشاكل كبيرة جدًا، وهي أن يبدأوا في البحث عن كبش فداء ليتحمل المسؤلية. لماذا ا؟ .

في القرن السابع عشر، سعى جميع الناس في جميع أنحاء أوروبا للحصول على تفسير لما كان يحدث، ولماذا كان المرض منتشرًا جدًا في أوروبا على وجه الخصوص ولماذا مات كل هؤلاء الأشخاص، وكانت فكرة أنهم لم يجدوا سببًا لما كان يحدث كان شئ مرعبا في حد ذاته، ولأننا بشر كان من الضروري أن يخترع الناس أسبابًا.


وبحلول خريف عام 1348 انتشرت شائعات بأن الطاعون في الوفاء كان مؤامرة يهودية تهدف إلى استئصال المسيحيين في أوروبا. الألاف من اليهود أعدموا على أيدي الجماهير الغاضبة، وتحولت القضية من مجرد وباء إلى مجزرة اجتاحت شرق وغرب أوروبا، لدرجة أن اليهود استغرقوا قرابة 3 قرون لإعادة بناء معتقداتهم ونشر ثقافتهم مرة أخرى في البلد الذي كانوا يعيشون فيه.


في النهاية، أود أن أقول إن الإنسان ضعيف، وأن مجرد بكتيريا لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة دمرت قارة بأكملها، وعن الرعب الذي كان في هذه الفترة أحد السجلات التاريخية التي كتبها الراهب جون كلاين عن الفظائع التي شهدها وكتب في نهاية السجلات أنا من بين الموتى أنتظر الموت قادم وألتزم بكتابة ما سمعته وعشت بشكل جيد واترك الأمر لمن بعدي لمواصلة العمل في حالة بقاء أي شخص على قيد الحياة في المستقبل ، وتنتهي الكتابة عند هذه النقطة بسطر واحد بخط مختلف يقول على ما يبدو أن المؤلف قد مات.



تعليقات

التنقل السريع