Header Ads

أخر المواضيع

كيف تم إعدام سليمان الحلبى قاتل كليبر؟

 

كيف تم إعدام سليمان الحلبى قاتل كليبر؟






بعد قيام الثورة الفرنسية بعشر سنوات،تمكنت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت من احتلال مصر عام 1798م،  وعملت الحملة الفرنسية على إهانة الشعب المصري وإذلالاه، بعد أن رأوا منه المقاومة التي كان يحركها علماء الأزهر، فعملت الحملة الفرنسية على وأد هذه الثورات، وكان نابليون قد عهد إلى كليبر بقيادة لحملة بعد أن غادرها إلى فرنسا، فقتل الكثير من علماء الأزهر، ودخل الأزهر بخيله وضربه بالمدافع؛ مما كان له الأثر الكبير في إنشاء خلايا سرية تقاوم المحتل الفرنسي، وكانت هذه الخلايا بداية النهاية، حيث استطاع أحد أفراد هذه الخلايا قتل كليبر قائد الحملة؛ مما ألقى الرعب في قلوبهم، وكان لذلك أثرٌ في خروجهم من مصر.



عاش سليمان الحلبي في بلده إلى أن تم العشرين من عمره، حيث أرسله والده بعد ذلك إلى الأزهر لينهل من علومه، فرحل إلى القاهرة لينخرط في رواق الشوم المكان الذي خصص لطلبة الأزهر من أبناء الشام،وتتلمذ على يد الشيخ أحمد الشرقاوي الذي علمه وغرس فيه معنى العزة والكرامة بأفعاله، وانتظم في سلك الدراسة  والتي تتمثل في إشعال الثورات ضد الحملة الفرنسية حتى قتله كليبر فيما بعد، وكان سليمان الحلبي بجانب شيخه حين اقتحم جيش نابليون أرض الجيزة،وزادت صلته بهذا الشيخ حتى إنه كان يبيت في بيته،  ثم أرض المحروسة القاهرة حيث راح الغزاة ينكلون الشعب المصري أشد تنكيل كما يذكر الجبرتي.



في الوقت الذي كان فيه مراد بك يحض الشعب المصري على المقاومة من مكانه في صعيد مصر، وإبراهيم بك يحرض المصريين على الثورة ضد الغزاة الكفرة من مكانه في غزة، وهو التحريض الذي جعل بونابرت يزعم في رسالة بعث بها إلى شريف مكة في الحجاز غالب بن مسعود وإلى بيان وجهه على مشايخ وأعيان المحروسة القاهرة (بأنه قد هدم الكنائس في أوربا وخلع بابا روما قبل قدومه على مصر، وأنه عاشق للنبي محمد ، نصير الدين الإسلامي)!! إلا أن حصافة الشعب المصري لم تكن عاجزة عن إدراك هذا الزعم الكاذب الذي رافقه التنكيل بالمصريين الذين أججوا ثورة القاهرة الأولى ضد الغزاة الكفرة انطلاقًا من الجامع الأزهر.



وقد رد عليها الغزاة بقذائف مدافعهم غير الرحيمة التي نالت من مبنى المسجد الكبير الذي لم تشفع له قدسيته كمسجد للعبادة الإسلامية فقامت خيول الغزاة المسلحين بالبنادق والسيوف باحتلاله... وحكمت على ستة من شيوخ الأزهر بالإعدام كان من بينهم أستاذ سليمان الحلبي الشيخ أحمد الشرقاوي، الذي اقتيد إلى القلعة حيث ضربت عنقه مع أعناق الشيوخ المجاهدين الخمسة الآخرين



واستطاع الفرنسيون إجهاض الثورة المصرية الأولى بعد القبض على شيوخ الأزهر وإعدامهم، فاختفى البعض عن أعين الفرنسيين وهرب البعض وكان فيمن هرب سليمان الحلبي الذي خرج متوجهًا إلى الشام بعد أن أقام في القاهرة ثلاثة سنوات، حيث وجد الوالي أحمد أغا قد ضاعف على والد تاجر الزيت والسمن الضرائب، فكلمه سليمان في ذلك ووعده أحمد أغا بتخفيف الغرامة عن والده بعد أن كلفه بالتوجه إلى مصر لقتل كليبر، وكان سليمان الحلبي وقتئذ قد انضم إلى خلايا سرية تعمل على جهاد الفرنسيين. وبعد أن تمكن بونابرت من اجتياح خان يونس والعريش وغزة ويافا، وفشل في اجتياح عكا لمناعة أسوارها، سافر إلى فرنسا سرًّا، تاركًا على الحملة الفرنسية كليبر الذي لقي حتفه على يد سليمان الحلبي.



وبعد أن وافق على إتمام المهمة، أرسله أحمد أغا إلى (ياسين أغا) في غزة؛ ليعطي له مصروفه، وفي غزة قابل ياسين أغا، ووعده بأن يرفع الغرامات عن أبيه، وأن يجعل نظره عليه في كل ما يلزمه إن استطاع ذلك، وأعطاه 40 قرشًا لمصروف السفر وأوصوه أن يسكن جامع الأزهر،، وألاّ يخبر أحدًا عن مهمته


وقد استغرقت رحلة القافلة من غزة إلى القاهرة ستة أيام، انضم بعدها سليمان إلى مجموعة من الشوام المقيمين في (رواق الشوام) كطلبة في الأزهر، وقد كانوا أربعة فتيان من مقرئي القرآن من الفلسطينيين أبناء غزة، هم: سعيد عبد القادر الغزي، ومحمد وعبد الله وأحمد الوالي. وقد ابلغهم سليمان بعزمه على قتل الجنرال كليبر، وبأنه نذر حياته للجهاد الإسلامي في سبيل تحرير مصر من الغزاة.. وربما لم يأخذوا كلامه على محمل الجد باعتباره كان يمارس مهنة كاتب عربي (عرضحالجي).



وكتب الفتى سليمان الحلبي عددًا من الابتهالات والدعوات إلى ربه على عدد من الأوراق، ثم ثبتها في المكان المخصص لمثلها في الجامع الأزهر،في صباح يوم 15 يونيو 1800م  ثم توجه إلى (بركة الأزبكية) حيث كان الجنرال كليبر يقيم في قصر (محمد بك الألفي) الذي اغتصبه بونابرت وأقام فيه، ثم سكنه بعد رحيل بونابرت إلى فرنسا خليفته الجنرال كليبر، الذي ما إن فرغ من تناول الغداء في قصر مجاور لسكنه (ساري عسكر داماس)، حتى دخل سليمان حديقة قصر محمد الألفي بك الذي يقيم فيه كليبر، ومعه كبير المهندسين الفرنسيين (قسطنطين بروتاين)، وقد تمكن سليمان من أن يطعن كليبر بنصلة السكين التي اشتراها من غزة أربع طعنات قاتلة في كبده، وفي ذراعه الأيمن وفي سرته   وفي خده الأيمن. كذلك تمكن من طعن كبير المهندسين قسطنطين بروتاين ست طعنات غير قاتلة.



وقد تمكن اثنان من العساكر الفرنسيين هما العسكري الخيال الطبجي جوزيف برين، والعسكري الخيال الطبجي روبيرت، من إلقاء القبض عليه في الحديقة، ومن العثور على السكين التي نفذ بها (مهمة القتل) التي كلف بها كمجاهد إسلامي، وهب حياته لحرية مصر وكبريائها المثلوم.



حوكم الفتى سليمان بعد حرق يده اليمنى خلال التحقيق معه حتى عظم الرسغ، لكنه أنكر صلته بالشيخ الشرقاوي، وبحركة المقاومة الشعبية الإسلامية المصرية المختلطة (المصرية - العربية الحجازية - المملوكية - التركية العثمانية - الشامية). وبما أن رفاقه المقيمين معه في رواق الشوام في الأزهر كانوا أربعة جميعهم من غزة، وليس فيهم مصري واحد، بل وبما أنه لم تكن لهؤلاء الأربعة الفلسطينيين أية صلة بعملية القتل، فقد اعترف سليمان بأنه كان مقيمًا معهم مدة 34 يومًا قبل إقدامه على تنفيذ (مهمة القتل)، عقب وصوله إلى القاهرة من غزة مكلفًا بقتل (ساري عسكر كليبر).. وبأنه أسرَّ إليهم بعزمه على قتل الجنرال كليبر من منطلق جهادي نضالي صرف، لكنهم لم يأخذوا كلامه على محمل الجد. وبذلك أدانتهم المحكمة بالتستر على (الجريمة) قبل وقوعها، وحكمت على سليمان بالإعدام بالخازوق، وعلى أحمد الوالي ومحمد وعبد اللّه الغزي (سعيد عبد القادر الغزي كان هاربًا) بالإعدام، وفصل رءوسهم عن أجسادهم، على أن يتم قطع رءوسهم أمام سليمان قبل إعدامه بالخازوق.



وفي الساعة 11.30 من يوم 28/ 06/ 1800م، نفذ حكم الإعدام بالفلسطينيين الثلاثة أمام عيني سليمان، ثم حرقت أجسادهم حتى التفحم، ثم غرس وتد الخازوق في مؤخرة سليمان الحلبي فوق (تل حصن المجمع - تل العقارب)، ثم ترك جثمانه المغروس في أحشائه وتد الخازوق النافذ، عدة أيام، تنهشه الطيور الجوارح والوحوش الضواري، عقب دفن جثمان الجنرال كليبر في موضع من القاهرة قريب من (قصر العيني)، بعد تشييعه في احتفاء رسمي ضخم، وقد كان جثمانه موضوعًا في تابوت من الرصاص ملفوفًا بالعلم الفرنسي، وفوق العلم سكين سليمان الحلبي المشتراة من غزة.



وقد حمل الجنرال مينو معه إلى باريس، عظام الجنرال كليبر في صندوق، وعظام سليمان الحلبي في صندوق آخر، وعند إنشاء متحف (انفاليد - الشهداء) بالقرب من (متحف اللوفر) في باريس، خصص في إحدى قاعات المتحف اثنان من الرفوف: رف أعلى وضعت عليه جمجمة الجنرال كليبر، وإلى جانبها لوحة صغيرة مكتوب عليها: (جمجمة البطل) الجنرال كليبر، ورف أدنى تحته وضعت عليه جمجمة سليمان الحلبي، وإلى جانبها لوحة صغيرة مكتوب عليها: (جمجمة المجرم) سليمان الحلبي. والجمجمتان لا تزالان معروضتين في متحف (انفاليد) حتى اليوم.


تتأكد حقيقة أن سليمان الحلبي كان بطلاً حقيقيًّا، وفتى من شهداء الإسلام والعروبة والحرية، وأنه جدير بالتخليد اسمًا وكفاحًا وبطولةً، وإذا كانت أطراف سورية غير رسمية قد سعت خلال السنتين المنصرمتين لدى فرنسا، معبّرة عن رغبتها برد الاعتبار إلى اسم سليمان الحلبي، وتطهيره من صفة (المجرم) اللصيقة بجمجمته في متحف (انفاليد)، وبالموافقة على أن تسترد سوريا رفاته من فرنسا؛ لإعادة دفنها في مسقط رأسه (عفرين) أو في مدينة حلب، بصفته بطلاً من شهداء الكفاح من أجل الحرية والاستقلال، فإن العدل وفضيلة الوفاء يقضيان بضم جهود مصر إلى الجهود السورية في هذا السبيل، وبخاصة أن مصر ملتزمة بفضيلة الوفاء التاريخي في كل العصور.. ومن حق روح سليمان الحلبي عليها، أن يكون له نصيب من هذا الوفاء المصري التاريخي الشهير، المضاد لكل ألوان الإجحاف والظلم والجحود.

هذا وكان قتل كليبر عاملاً أساسيًّا في فشل الحملة الفرنسية الغازية، فتجرأ الناس عليها، وألجأتها الظروف إلى الخروج من مصر مدحورة مهزومة، واحتفل الأزهر بهذا النصر المبين، وفتحت أبوابه التي كانت مغلقة، وفرح الناس فرحًا عظيمًا بزوال الغمة، وتذكر المؤمنون سليمان الحلبي المجاهد، ونسيه الجاحدون، وحسبنا أن الله يعلمه



ليست هناك تعليقات